آخر الأخبار

نصيحة وتحذير

الخضر سالم بن حليس

كنت قد حذرت كثيرًا من تناول المباحث العقدية الدقيقة، والقضايا الفقهية الخلافية على مواقع التواصل، وتداول مشكلاتها أمام من لا يحسن تعاطي العلم وبحث مسائله، وأن نواتج ذلك خطرة على المتلقي وحركة العلم والفكر والكتاب، وعند قراءتي لكتاب «قواعد الأحكام» وقفت على كلام يؤكد هذا الرأي للإمام العز بن عبد السلام(ت660) إذ قال: ‏«ولا يجوز إيراد الإشكالات القويَّة بمحضرٍ مِن العامة؛ لأنه تَسَبُبٌ إلى إضلالهم وتشكيكهم، وكذلك لا يُتفوهُ بالعلوم الدقيقة عند مَن يقصُر فهمه عنها فيؤدي ذلك إلى ضلالتِه. وما كُلُّ سِرٍّ يُذاع، ولا كُلُّ خبرٍ يُشاع». «قواعد الأحكام»، (2/402).
الحركات الاستعراضية في نبش الخلاف الفقهي والعقدي واستدعاء الأقوال الشاذة وجعلها مادة فكرية جدلية في متناول من لا يجيد تعاطي العلم أسلوب انشطاري خطر غير محمود ونتائجه سلبية ويقود إلى عبث وتحريف وتشكيك.
وقد حذر العلامة محمد الطاهر بن عاشور(ت:1393) من تعاطي النص القرآني من أشخاص لا يملكون بنية لغوية أو أصولية تمكنهم من التنقيب في فهم مراد الله تعالى من كلامه، داعيًا الشخصيات العلمائية والمحاضن العلمية للأخذ على أيديهم، وإيقافهم عند حدهم، فقال: «وقد دلت شواهد الحال على ضعف كفاية البعض لهذا العمل العلمي الجليل فيجب على العاقل أن يعرف قدره، وألا يتعدى طوره، وأن يرد الأشياء إلى أربابها، كي لا يختلط الخاثر بالزباد، ولا يكون في حالك سواد، وإن سكوت العلماء على ذلك زيادة في الورطة، وإفحاش لأهل هذه الغلطة، فمن يركب متن عمياء، ويخبط خبط عشواء، فحق على أساطين العلم تقويم اعوجاجه، وتمييز حلوه من أجاجه، تحذيرا للمطالع، وتنزيلا في البرج والطالع». «التحرير والتنوير»، (37/1).
يجب على ممارسي هذا التوغل النشط في نثر تلك القضايا على العامة وغير المختصين، توخي الحذر وتقوى الله فإن اللبس والخلط منحدر سحيق، ومحاولة جذب الأنظار، وجمع الاعجابات، وشد الانتباه، وتكوين قاعدة جماهيرية إعلامية عن طريق هذه المادة شراء للضلالة وإضلال عن السبيل.
والله المستعان.

مشاركة المقال