آخر الأخبار

ما بين «21» و «26» سبتمبر أعيد نشر هذه الذكريات “عن التوحش الحوثي”

كتبها | د. علي هاشم الشرفي

صفحة الكاتب

جاري العزيز

في صنعاء كان لي جار يسكن غرفة واحدة مع زوجته وأطفاله الثلاثة، وبسبب شدة فقره كنت مع بعض شباب الحي نتواصل مع بعض المؤسسات الخيرية فنوصل له ولأولاده ما يكون لهم عونا على مشقات الحياة…

😊كان يبتسم لي عند كل لقاء ابتسامة المحب الصادق وأقرأ في عينيه ألف طلب وألف حاجة …

😖 وحينما اقتربت جحافل مغول مران لتلتقي بعصابات تتار سنحان في صنعاء كان “جاري” يسلم علي ويسألني عن الأخبار وفي شفتيه ابتسامة صفراء، تقول في دلالتها: جاء عهد الرخاء ولست في حاجة لأن أكون متلقيا لصدقات الجمعيات…

😡 وجدته يوما وفي وجهه غبرة وعلى كفيه سوادا كأنما كان في محرقة للنفايات.

ما الذي أصابك يا جاري؟ قال: لا شيء كنت مع المسيرة الغرآنية نحرق التواير في الشارع.

ولماذا تفعل ذلك؟

قال: حتى ينقذنا الله منكم ومن ظلمكم فقد كنتم سببا في فقرنا لكي نبقى عالة ننتظر صدقاتكم…

😳 دارت بي الأرض وفقدت تماسكي للحظة من الزمن وأدركت حينها أن سحرة الكهوف قد أجادوا صنعتهم السيئة هذه المرة…

🤔 يا “جاري” العزيز: هل تدري أن هذه العصابات تريد تدمير الدولة وتحويلها إلى نظام سلالي طائفي؟

وبكل بساطة قال: لا يهمني إلا لقمة عيش لأبنائي.

يا “جاري”: أتدري أن هذه العصابات كانت تفجر دور القرآن في كل قرية مرت منها ؟

ابتسم وقال: دور القرآن لا تطعمنا لقمة ولا تعطينا رزقا ولا وظيفة، والقرآن سيحفظه الله بهذه الدور أو بدونها.

ولأن خطاب الأحلام الكاذبة كانت تسيطر على تفكيره لم يكن يستمع لخطاب العقل…

👹 في ذات مساء بعد أحداث 21 سبتمبر وجدته يحمل بندقه وعليها شعارات النهيق الحوثية، نظر إلي وقال بصوت عال: (هزمناكم غلبناكم) .

🤐 لم أستطع أن أرفع صوتي حينها بجواب كان يتردد في صدري صعودا وهبوطا: (لقد هزمتم البلاد، وغلبتم التوافق، ونصرتم السلالة، ورفعتم راية الطغيان، تمنيت يا جاري لو تدري أنك تدمر حاضرك ومستقبل أبنائك) لم تخرج من صدري وخرجت مكانها دمعة حزن على وطن يغرق لتخبره بكل ذلك …

🚡بعد نصف سنة فقط كانت عاصفة الحزم قد بدأت تجرف ما أمامها، رآني جاري الذي كان-العزيز قديما المستبد حاضرا- فرفع صوته قائلا: سنقتلكم يا دواعش سنشردكم يا تكفيريين .

رحماك يا الله أهذا الذي كان يتوددني قبل عام فقط؟

أهو ذاته الذي كان يحاول تقبيل رأسي وأنا أحاول دفعه؟

هل هذا ذنبه أم ذنب سادته الذين غيروا له قيمه وأخلاقه أم ذنبي وذنب المتبرعين إذ اهتموا بمعيشته ولم يهتموا بتعليمه وتربيته؟

كنت أجر نفسي من أمامه وعقلي يقول: كيف يمكن للبشر أن يتحولوا بهذه السرعة إلى وحوش قذرة بلا أخلاق ولا وفاء؟

📞 وكان لنا جار آخر وهو صديق عزيز قد غادر صنعاء بداية الأحداث لكثرة ما تلقى من تهديد ووعيد، وفي ظلمة الليل وأصوات الانفجارات التي كانت تمنعنا من النوم سمعت جرس هاتفي فهرعت إليه وكل من في البيت على وجوههم الخوف لعل الاتصال من قريب أصيب أو حبيب قصف بيته، لقد كان الاتصال من جارنا الذي غادر صنعاء، كان يحدثني وصوت بكائه الذي يحاول أن يخفيه لا يختفي.

ما الذي أصابك أخي الحبيب؟

قال: جارنا فلان الذي كنت أحمل معك المساعدات له ولأولاده.

نعم ما الذي أصابه؟

قال: لقد اقتحم منزلي واستحل ما فيه. وكل ذلك يهون لو كان على يد إنسان لا يعرفني ولا أعرفه.

لكن ألمي أشد وحزني مضاعف أن تأتيني طعنة في ظهري من رجل أحببته وما أظن أني قصرت في حقه.

كيف يمكنه أن ينام على فراشي عنوة؟

كيف يستطيع النوم وهو يتوسد مخدة إنسان لم يسيء إليه قط؟

حينها لم يكن بيدي من حيلة إلا أن أشاركه أهمه وأقول له: إن كان قد فعل ذلك بدارك فقد هددني في حياتي وإراقة دمي.

ختم مكالمته وهو يقول: استحلفك بالله أن تغادر صنعاء فقد حل بها ما هو أشد من الطاعون ولعلنا نعود إليها نظيفة طاهرة يوما ما.

✈ غادرتها وتركت فيها قلبي المكلوم … نظرت إليها نظرة وداع ممزوجة بالشفقة على أهلها من عصابات لا تقيم للأخلاق وزنا …

رحمتك يا الله…

فألمنا من الأخلاق التي تتغير،،،

أشد من ألمنا على وطن يتدمر…

❤ كان قلبي يحدثني ويقول: حتما ستعود كما عاد المهاجرون إلى مكة…

أود أن أخاطبك يا جاري الحوثي: أتدري ما هو أول عمل سأقوم به عند عودتي إلى صنعاء؟

سأحمل هدية لابنك اليتيم وأصحبه معي إلى المقبرة التي دفنوا فيها ما تبقى من رفاتك … فاللغم الذي كنت تضعه للأبرياء لم يصبر عليك ولم يتحمل لؤمك فانفجر في وجهك القبيح ورأسك المريض …

🙇🏻 لن أخبر طفلك الصغير بحماقاتك ولا سوء أخلاقك …

لكني سأجتهد أن لا أتركه لنفس الذئاب التي قد تخرج يوما ما من كهف آخر لتفسد علينا حياتنا …

سأصحبه إلى حلقة القرآن، وأسأله عن دراسته، وأقول له: يا بني إن أردت أن تحيا حياة كريمة لا تضطرك لتبيع فيها نفسك ولا دينك ولا أخلاقك لأحد (فتعلم) .

وإن أردت أن ترى وطنك عزيزا كريما آمنا (فتعلم) .

أتمنى أن أراه يوما ما معلما أو طبيبا أو مهندسا أو عبقريا مخترعا …

سلمك الله يمننا الحبيب

مشاركة المقال